محمد بن محمد ابو شهبة

169

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

اللّه عنه يقول : أصيب حارثة « 1 » يوم بدر وهو غلام ، فجاءت أمه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه قد عرفت منزلة حارثة مني ، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب ، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع ، فقال : « ويحك ، أو هبلت - أي ثكلت - أو جنة واحدة هي ؟ إنها جنان كثيرة ، وإنه في جنة الفردوس » وفي رواية : « إن ابنك أصاب الفردوس الأعلى » . قال الحافظ ابن كثير : وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر ، فإن هذا لم يكن في حومة الوغى ، بل كان من النظّارة من بعيد ، وإنما أصابه سهم غرب « 2 » وهو يشرب من الحوض ، ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس الذي هو أعلا الجنان ، ومنه تفجّر أنهار الجنة ، والتي أمر الشارع أمته إذا سألوا اللّه الجنة أن يسألوه إياها ، فإن كان هذا حاله فما ظنك بمن كان واقفا في نحر العدو ، وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعددا ! وروى الشيخان في صحيحيهما قصة حاطب بن أبي بلتعة ، وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح يخبرهم فيه بعزم رسول اللّه على قصد مكة ، وأن عمر استأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ضرب عنقه ، لأنه قد خان اللّه ورسوله ، فقال له الرسول : « أليس من أهل بدر ؟ لعلّ اللّه اطّلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » فدمعت عينا عمر وقال : اللّه ورسوله أعلم . والمراد عدم مؤاخذتهم عما عسى أن يبدر منهم بعد ذلك من الزلات والتجاوز عن سياتهم ، كفاء ما قدموا للإسلام من مخاطرة بالنفس في هذه الغزوة ، وما أظهروه من إيمان وبطولة ، وليس المراد أن اللّه سبحانه أباح لهم أن يفعلوا أي شيء أرادوه من المعاصي والآثام كما يتوهم ذلك ، وقد كان صحابة رسول اللّه ولا سيما أهل بدر أشد الناس تقوى للّه وخوفا من اللّه ، على كثرة ما وعدهم من المغفرة والرضوان والنعيم المقيم في الآخرة .

--> ( 1 ) هو حارثة بن سراقة من بني عدي بن النجار الأنصاري وأبوه سراقة له صحبة واستشهد يوم حنين ، وأمه هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك . ( 2 ) أي أتاه من حيث لا يدري ، فإن الذي رماه قصد غرته فرماه وحارثة لا يشعر به .